عبد الملك الجويني
330
الشامل في أصول الدين
إيضاح الرد على النصارى . وقد جمع القاضي رضي اللّه عنه في الرد عليهم قولا واسعا في كتاب « التمهيد » وأحال استقصاء القول عليهم في « النقض الكبير » و « الهداية » على « التمهيد » . ونحن الآن نذكر ما ذكره ، ونزيد على بسط في المعنى ، وإيجاز في اللفظ إن شاء اللّه . القول في الرد على النصارى اعلموا أحسن اللّه إرشادكم أن وجوه الكلام على هؤلاء تحصرها أبواب : منها باب في الجوهر ومعناه ، وباب في الأقانيم « 1 » ؛ وذكر مرادهم بها وإيضاح الرد عليهم فيها ، ومنها باب في ذكر مذاهبهم في الاتحاد ؛ وذكر تذرع اللاهوت « 2 » بالناسوت ، ومنها باب في إيضاح الرد عليهم في إثبات آلهة ، ومنها باب يجمع مسائل مفترقة ، متشعبة عما قدمناه من الأصول والقوانين . القول في ذكر مذاهبهم في تسمية اللّه جوهرا قد قدمنا في صدر الكتاب بما ارتضاه المحققون في حد الجوهر وحقيقته ، وذكرنا في ذلك قولا مقنعا . وإنما غرضنا الآن تحقيق الرد على النصارى . فأول ما نفاتحهم به أن نقول : للجوهر أحكام : منها تحيزه ، ومنها حمله للأعراض ، ومنها اتصافه بالتعدد والحدود والأقطار ، ومنها جواز مماسته لأمثاله وتآلفه معها ، ومنها جواز عدمه وتحقق حدثه . وهذان الأخيران ، وإن لم يكونا من خواص الجوهر ، فهما من أحكامه التي يجب تقدس الرب عنها . فإذا ثبتت هذه الأحكام ، قلنا للنصارى بعدها : أتثبتون هذه الأحكام للقديم ، أم تثبتون بعضها ؟ فإن أثبتوها أو بعضها ، أقمنا واضح الأدلة في الرد عليهم . وقد تقدمت هذه الأصول ، ووضحت فيها المقاصد والقواطع من الأدلة ، وليس من مذهب النصارى تحيز القديم وتخصصه بالجهات ، وليس من أصلهم تجويز قبوله للحوادث ، فلا ينازعون أهل الحق في حكم من الأحكام المقدمة ؛ بل يوافقون على تقدس القديم عن جميعها . وإنما الذي نجرهم إليه من أحكام الجواهر ، وإن كانوا لا يلتزمونه ، إثباتهم حلول القديم من الناسوت على تفصيل نذكره في باب مفرد بعد ذلك إن شاء اللّه . فإذا ثبت تنزه القديم وتقدسه عن خصائص الجواهر ، وسمات الحدث لم يبق إلا التناقش في إثبات اسم ونفيه قولا وإطلاقا . فنقول لهم : لم سميتم ربكم جوهرا ؟ أقلتم ذلك متحكمين عن غير دليل ، أم اسندتموه
--> ( 1 ) الأقانيم : ( ج ) أقنوم : الأصل ، والأقانيم الثلاثة عند النصارى : الأب ، والابن وروح القدس . ( 2 ) اللاهوت : الألوهية أو الخالق . وعلم اللاهوت : علم يبحث في الخالق وصفاته وعلاقاته بمخلوقاته ، ويقابل علم التوحيد عند المسلمين .